الشوكاني
63
فتح القدير
لما فرغ سبحانه من ذكر ما طعنوا به على القرآن ذكر ما طعنوا به على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال ( وقالوا مال هذا الرسول ) وفى الإشارة هنا تصغير لشأن المشار إليه وهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وسموه رسولا استهزاء وسخرية ( يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ) أي ما باله يأكل الطعام كما نأكل ويتردد في الأسواق لطلب المعاش كما نتردد ، وزعموا أنه كان يجب أن يكون ملكا مستغنيا عن الطعام والكسب ، وما الاستفهامية في محل رفع على الابتداء ، والاستفهام للاستنكار ، وخبر المبتدأ لهذا الرسول ، وجملة يأكل في محل نصب على الحال ، وبها تتم فائدة الإخبار كقوله - فما لهم عن التذكرة معرضين - والإنكار متوجه إلى السبب مع تحقق المسبب ، وهو الأكل والمشي ، ولكنه استبعد تحقق ذلك لانتفاء سببه عندهم تهكما واستهزاء . والمعنى : أنه إن صح ما يدعيه من النبوة فما باله لم يخالف حاله حالنا ( لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ) طلبوا أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم مصحوبا بملك يعضده ويساعده ، تنزلوا عن اقتراح أن يكون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ملكا مستغنيا عن الأكل والكسب ، إلى اقتراح أن يكون معه ملك يصدقه ويشهد له بالرسالة . قرأ الجمهور " فيكون " بالنصب على كونه جواب التحضيض . وقرئ " فيكون " بالرفع على أنه معطوف على أنزل ، وجاز عطفه على الماضي لأن المراد به المستقبل ( أو يلقى إليه كنز ) معطوف على أنزل ، ولا يجوز عطفه على فيكون ، والمعنى : أو هلا يلقى إليه كنز ، تنزلوا من مرتبة نزول الملك معه إلى اقتراح أن يكون معه كنز يلقى إليه من السماء ليستغني به عن طلب الرزق ( أو تكون له جنة يأكل منها ) قرأ الجمهور " تكون " بالمثناة الفوقية ، وقرأ الأعمش وقتادة " يكون " بالتحتية ، لأن تأنيث الجنة غير حقيقي . وقرأ " نأكل " بالنون حمزة وعلي وخلف ، وقرأ الباقون " يأكل " بالمثناة التحتية : أي بستان نأكل نحن من ثماره ، أو يأكل هو وحده منه ليكون له بذلك مزية علينا حيث يكون أكله من جنته . قال النحاس : والقراءتان حسنتان وإن كانت القراءة بالياء أبين ، لأنه قد تقدم ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحده ، فعود الضمير إليه بين ( وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ) المراد بالظالمون هنا هم القائلون بالمقالات الأولى ، وإنما وضع الظاهر موضع المضمر مع الوصف بالظلم للتسجيل عليهم به : أي ما تتبعون إلا رجلا مغلوبا على عقله بالسحر ، وقيل ذا سحر ، وهي الرئة : أي بشرا له رئة لا ملكا ، وقد تقدم بيان مثل هذا في سبحان ( انظر كيف ضربوا لك الأمثال ) ليتوصلوا بها إلى تكذيبك ، والأمثال هي الأقوال النادرة والاقتراحات الغريبة ، وهي ما ذكروه هاهنا ( فضلوا ) عن الصواب فلا يجدون طريقا إليه ولا وصلوا إلى شئ منه ، بل جاءوا بهذه المقالات الزائفة التي لا تصدر عن أدنى العقلاء وأقلهم تمييزا ولهذا قال ( فلا يستطيعون سبيلا ) أي لا يجدون إلى القدح في نبوة هذا النبي طريقا من الطرق ( تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك ) أي تكاثر خير الذي إن شاء جعل لك في الدنيا معجلا خيرا من ذلك الذي اقترحوه . ثم فسر الخير فقال ( جنات تجري من تحتها الأنهار ) فجنات بدل من خيرا ( ويجعل لك قصورا ) معطوف على موضع جعل ، وهو الجزم ، وبالجزم قرأ الجمهور . وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر برفع " يجعل " على أنه مستأنف ، وقد تقرر في علم الإعراب أن الشرط إذا كان ماضيا جاز في جوابه الجزم والرفع فجاز أن يكون جعل هاهنا في محل جزم ورفع